في واحدة من أصعب الليالي على لبنان، بينما كانت أصوات الانفجارات تُدوّي في جنوب لبنان، على الشاشة الصغيرة التي يشاهدها مئات الآلاف من المواطنين بحذر وترقب ظهرت صورة امرأة تقف بثبات على الخط الأمامي للجبهة، خلفها دخان يتصاعد من بين الركام، وأصوات الطائرات الحربية وقصفها تلقي الذعر في قلوب من يسمعها. كانت تمسك بالمايكروفون بيد، وباليد الثانية تحاول أن تُبعد الشعر المتطاير عن وجهها بينما عيونها لا تبارح الكاميرا
في بلد اعتاد على الحروب، لم يكن ظهور المراسلات النساء مشهداً غريباً، لكنه لم يكن عادياً أيضاً. كانت الحرب تكتب فصولها بصوت نسائي، بصوتٍ غالباً ما طُلب منه أن يكون قوياً لا يُكسر، حتى حين كانت أقدامهن تغوص في الوحل، وحتى حين كانت أيديهن ترتجف خلف الكاميرا.
منذ 8 اوكتوبر 2024، عادت المراسلات الميدانيات إلى الواجهة، بين الشريط الحدودي والبلدات الجنوبية وأزقة الضاحية، وقفن في خطوط النار، ليس فقط لملاحقة الخبر، بل لحماية الحقيقة من الضياع وسط الضجيج. نساء لم يكنّ فقط ناقلات لما يجري، بل جزءاً منه
في العام 2006، شكّلت تجربة الصحافيات خلال الحرب علامة فارقة في المشهد الإعلامي اللبناني، لكن عام 2025، حمل تحديات من نوع آخر، وتجارب تجاوزت الميدان العسكري لتدخل في عمق الذات، الهوية، والخوف. هذا التحقيق سيأخذنا في رحلة بين تجارب حقيقية، من قلب المعركة، ومن خلف الشاشة
. وهي رحلة بين الشجاعة والرهبة والرغبة في النجاة. في تموز 2006، غطّى الإعلام اللبناني والعربي يوميات الحرب الإسرائيلية على لبنان، حيث برزت وجوه نسائية كان حضورها واضحًا على الشاشات ومن الميدان، رغم توفر خيار بقائهن خلف الشاشات او حتى أن يكنّ في الأماكن السليمة اختارت العديد من المراسلات أن يكنّ حيث الخط، لا لنقل الخبر فقط، بل لتوثيق ما يجري بكاميراتهن، بأصواتهن، وبكل ما امتلكنه من إصرار وحب للمهنة
وبين عام 2006 و2025، حافظت المراسلات على هذا الحضور، ووسّعن من مساحته.
ومع كل عدوان جديد، يتكرر المشهد: صحافيات في قلب الخطر، في بلدات الجنوب، في
الضاحية، في محيط المستشفيات، في أماكن النزوح. تجارب مختلفة،
لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة: صوت نسائي يوثّق، يكتب، ويشهد
مع اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان في 17 أيلول 2024، كانت التغطية الإعلامية في سباق مع القصف. في كل لحظة، كان هناك من يحمّل الكاميرا وينطلق نحو صوت الإنفجار، أو يركض خلف سيارة إسعاف في محاولة لإيصال الحقيقة. من بين هؤلاء، برزت أصوات نسائية كانت في الصفوف الأمامية، تعرّضت للخطر المباشر، وعايشت تفاصيل الحرب لحظة بلحظة
الصحافية ياسمين رمال كانت إحدى تلك المراسلات التي تعرضت وعايشت الكثير من الأحداث خلال تغطيتها الحرب في جنوب لبنان حيث روت تعرضها للكثير من المواقف الخطرة خلال تأديتها عملها منها عندما كانت تستعتد هي وفريق العمل للظهور على الهواء حين أتت مسيرة إسرائيلية الى مكان تواجدهم وانخفضت بشكل كبير جدا فوق رؤوسهم بشكل مخيف كرسالة سريعة لتوقيف البث ومغادرة المكان بسرعة قبل قتلها مع فريقها
بالإضافة الى الصحافية والمراسلة في جريدة الأخبار آمال خليل التي غطت الحرب في جنوب لبنان مع فريق العمل والتي تعرضت للكثير من المواقف الخطرة التي كانت ستودي بحياتها ولكن رغم كل المعوقات والتعقيدات التي رافقتها خلال عملها لم تستلم ولم تتراجع بل أصرت ان تكمل وتبقى لنقل الصورة والحقيقة كامرأة قوية مستمرة برسالتها حتى هذه اللحظة
بالنسبة للمراسلات، يصبح الوضع أكثر تعقيدًا. فإلى جانب الخطر الأمني والعسكري، هناك تحدّيات إضافية ترتبط بخصوصية وجودهن في بيئة شديدة الخطورة. الكثير من المراسلات يؤكدن أنهن واجهن لحظات حرجة، ليس فقط بسبب القصف، بل أيضًا بسبب عدم تأمين خصوصيات لهن ، أو عدم وجود أي خطط واضحة لمساعدتهن إذا علقن في نقطة ساخنة.على سبيل المثال الصحافية والمراسلة زينب ياسين حيث أكدت انها استأجرت منزل لها من مصروفها الشخصي لتبقى في الجنوب ولتأمين الخصوصية لها، كما أكدت ان القناة التي كانت تعمل لصالحها لم تضع اي خطة طوارئ ولا خطة عمل واضحة في حال حصول اي خطر عليها وفريقها.
اللافت أن هذه التجارب لا تُناقش على العلن، لا توجد تقارير رسمية توثّق عدد
الإصابات أو الإصابات النفسية التي لحقت بالصحافيين خلال التغطيات الميدانية، ولا يُطرح الموضوع كأولوية في الأجندة النقابية أو التشريعية. وبالتالي، يتكرر الخطر ذاته مع كل نزاع أو حرب جديدة، وكأن المراسلات يخضن التحدي من نقطة الصفر في كل مرة.
عدم جاهزية، خصوصًا في بيئة عمل تنافسية.بدليل: UNESCO بتقرير عن الصحافيين في مناطق النزاع : إحدى النقاط كانت ان بعض الصحافيات يخفن ويرفضن تغطية ميدانية لأن هذا الأمر ممكن ان ينعكس بشكل سلبي على فرص تطوّرهم المهني. + Reporters Without Borders – مراسلون بلا حدودمن جانب آخر، هناك أيضًا غياب لأي مرجعية واضحة في ما يخص من يُرسِل الصحافية إلى الجبهة. هل يُؤخذ رأيها؟ هل يتم تقييم قدرتها النفسية؟ هل لديها خيار فعلي بالرفض؟ الواقع يقول إن في كثير من الحالات، يُطلب منها أن "تثبت" نفسها كمهنية، وإن الرفض قد يُقرأ كضعف
وسط الدخان والأصوات العالية والانفجارات وخلال تغطية الحروب، تكون الأولوية في معرفة الحدث، المكان، الصوت، والانفجار الذي هزّ الأرجاء. لكن خارج إطار الكاميرا، هناك قصة موازية لا تُروى، تدور في كواليس العمل الميداني، حيث تقف المراسلات الحربيات في قلب الخطر من دون ضمانات حقيقية للسلامة، ومن دون منظومة حماية تحيط بهن كأشخاص قبل أن يكنّ صحافيات
في لبنان، ومع تواتر الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، بات من شبه المألوف أن نشاهد مراسلات واقفات في الميدان ينقلن ما يجري لحظةً بلحظة. إلا أن ما لا يُقال هو أن هؤلاء المراسلات غالبًا ما يجدن أنفسهن في الميدان بقرارات فردية أو بتكليفات غير مرفقة بأي أدوات حماية حقيقية، لا جسديًا ولا نفسيًا. رغم أن لبنان من البلدان الي تعرضت للكثير من الحروب والإعتداءات، لا توجد حتى اليوم جهة رسمية أو مستقلة تضع معايير أو بروتوكولات حماية موحّدة للصحافيين في الحروب
حتى نقابة المحررين، وهي الجهة الأقرب للتمثيل المهني، لا تملك حتى اللحظة مسارات ضغط فعّالة أو قوانين نافذة تُجبر المحطات على تدريب كوادرها على العمل في البيئات الخطرة أو تأمين تغطية تأمينية للمخاطر. بالتالي، يقع العبء الأكبر على المؤسسة نفسها، والتي قد تختلف مقاربتها للحماية من وسيلة لأخرى. بعض المؤسسات الكبيرة، خصوصًا ذات البعد الإقليمي، تفرض تدريبات ميدانية مسبقة، وتؤمّن للمراسلين معدّات أساسية مثل السترات الواقية والخوذ، وأحيانًا أدوات اتصال آمنة وفِرق دعم
بالمقابل، في العديد من الوسائل المحلية، تبقى المراسلة مسؤولة عن نفسها، ولا تُزوّد سوى بكاميرا ومصوّر، وغالبًا ما تتحرّك بدون خريطة أمان أو تنسيق مع الدفاع المدني أو الصليب الأحمر، أو حتى معرفة دقيقة بالمناطق التي تغطيها. المسألة هنا لا تتعلّق فقط بالحماية من الخطر المباشر، بل أيضًا بالتجهيز النفسي والذهني لمواجهة المواقف الحادة مثل رؤية ضحايا، التعرض لمشهد دموي، فقدان الاتصال، أو حتى الخوف على الحياة. هذه التفاصيل لا يتم تدريب الصحافيين عليها، بل يُطلب منهم أن "يتعاملوا مع الموقف" كجزء من مهنتهم، وكأن الصدمة النفسية لا مكان لها في غرف الأخبار
.وهنا يكمن السؤال الأهم: من يتحمّل المسؤولية إذا ما أصيبت مراسلة أو تعرّضت لأذى؟ هل هناك تأمين صحي؟ هل يتم تأمين متابعة نفسية لاحقة؟ وهل يجب أن تكون المرسالة على الجبهة من الأساس في ظل غياب هذه الأساسيات؟ في أغلب الحالات، لا توجد أي من هذه الأمور، وتبقى المراسلات وحيدات في مواجهة كل ما ينتج عن وجودهن في مناطق الخطر
فبحسب ما أكدت المراسلة زينب ياسين ان لا يوجد اي تأمين صحي بيحال حصول اصابة ولا دعم نفسي خلال وبعد التغطية للحرب الأخيةرة على لبنان وأكدت انها كانت بحاجة له كثيرا خصوصا بعد كل المشاهد والتغطيات الصعبة التي كانت تنقلها حيث كانت تكبت مشاعرها وتقوي نفسها للتركيز على نقل الصورة والحقيقة للعالم فقط. أُطلقت بعض المبادرات المحدودة التي هدفت إلى تقديم دعم نفسي مؤقت للصحافيين بعد انفجار مرفأ بيروت، أبرزها تعاون نقابة المحررين مع منظمات دولية مثل "اليونسكو" و"مراسلون بلا حدود"، لتوفير ورشات قصيرة حول السلامة النفسية، إضافة إلى جلسات دعم فردية قدّمتها منظمات لبنانية بالشراكة مع معالجين نفسيين. كما أسّس "معهد الإعلام في الجامعة اللبنانية الأميركية مبادرة توعوية باسم "صدى"، ركّزت على رفع الوعي بشأن تأثير الصدمات في الميدان
لكن رغم أهمية هذه الخطوات، بقيت ضمن إطار ظرفي وطارئ، ولم تتحوّل إلى سياسة مؤسساتية ثابتة أو إلى برامج دعم متكاملة داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى. فمعظم الوسائل الإعلامية اللبنانية، حتى اللحظة، لا تضم في هيكلها الإداري أي قسم مخصص للصحة النفسية أو حتى لمتابعة الأثر النفسي على مراسليها. كما لا تتوفّر بروتوكولات واضحة أو خطوط دعم عند إرسال الصحافيين إلى أماكن النزاع أو الكوارث
الأخطر من ذلك، أن عددًا من الصحافيات اللواتي شاركن في تغطيات خطرة خلال السنوات الماضية مثل ديانا مقلّد وريم عز الدين صرّحن في مقابلات ومداخلات إعلامية بأنهن لم يتلقين أي دعم نفسي من مؤسساتهن بعد الانتهاء من التغطية، بل اضطررن لمعالجة آثار ما شهدنه بمبادرات شخصية، أو حتى كبت هذه المشاعر بسبب ضغوط الاستمرار في العمل. كل هذه المعطيات تطرح إشكالية واضحة: ليس فقط غياب الحماية، بل غياب ثقافة السلامة في العمل الصحافي الميداني، وهو ما يترك المراسلات في الواجهة، لا فقط أمام الخطر العسكري، بل أيضًا أمام الإهمال المؤسساتي، والغموض القانوني، والضغط النفسي الصامت
فجوة في المعايير: شهادات وتجارب عالمية
عبر السنوات، أظهرت التغطيات الحربية حجم الفجوة بين المؤسسات الإعلامية المحلية والإقليمية والدولية في تعاطيها مع سلامة المراسلات. ففي الوقت الذي لا يزال فيه الدعم النفسي في كثير من المؤسسات اللبنانية أو العربية يُعتبر خطوة ثانوية أو غير ضرورية، بدأت بعض وسائل الإعلام العالمية تتعامل مع هذا الملف كجزء أساسي من منظومتها المهنية.على سبيل المثال، تطبّق شبكة BBC البريطانية بروتوكولات صارمة لحماية صحافيّيها، منها إخضاعهم لدورات تدريبية في السلامة الجسدية والنفسية قبل التوجه لتغطية مناطق النزاع. وتشمل هذه التدريبات التعامل مع حالات الخطف، الإسعافات الأولية في حالات القصف، وتمارين للسيطرة على الصدمة النفسية
وأضافت: "كنت أعود إلى البيت وأبكي لساعات، ثم أذهب في اليوم التالي إلى تغطية جديدة، ولا أحد يسألني كيف حالي." تجربة مشابهة نقلتها الصحافية الفلسطينية نجوان سمري، التي قالت في حديثها لقناة الجزيرة خلال تغطيتها أحداث الشيخ جراح عام 2021، إنها كانت تتعرض لهجمات لفظية وجسدية متكررة، لكنها لم تتلقَّ أي نوع من المساندة النفسية، بل "كان يُفترض بي أن أكون قوية فقط لأنني صحافية
بين الواجب والخوف: صراع لا يُقال
في لحظة وقوع القصف، لا تُسمع فقط أصوات الانفجارات، هناك أيضًا خوف داخلي
لا يُلتفت إليه، تسكته المراسلة لأنها لا تملك "ترف" الاعتراف به. فكثير
من الصحافيات اللبنانيات اللواتي تواجدن في الخطوط الأمامية خلال التغطيات
الحربية، اضطررن إلى كبت مشاعر الذعر والقلق كي لا يُنظر إليهن كـ
"أضعف" أو "أقل قدرة" من زملائهن الرجال.
كما تحدث احدى المراسلات في جنوب لبنان خلال تغطيتا
الحرب الأخيرة حيث تحدث عن اول تجربة لها في التغطية الحرب وعن الخوف والذعر التي
كانت تعيشيه ولكن ما أبقاها هناك وساعدها على الاستمرار والصمود هو ضرورة وجود
اشخاص ينقلون الاحداث خصوصا بعد رفض كل المراسلين بالذهاب للتغطية في القناة التي
كانت تعمل بها
هذا الصراع بين الواجب المهني والخوف الشخصي لا يُناقش عادة في الإعلام أو
داخل المؤسسات، لكنه حاضر بقوة في التجربة الفردية لكل مراسلة نزلت إلى الميدان.
فالضغط لا يأتي فقط من الانفجارات أو الرصاص، بل من شعور دائم بأن عليها أن "تُثبت" نفسها مرتين: كمراسلة محترفة، وكامرأة قادرة على تحمّل قسوة
الحرب.
هذا الشعور المتراكم بالذنب أو النقص قد يخلّف أثراً
طويل الأمد، خصوصًا عندما لا تملك المراسلة مساحة آمنة تتحدّث فيها عمّا شعرت به،
أو لا تجد في مؤسستها من يصغي. فتصبح مشاعر الخوف والتوتر جزءًا من "المهنة"، لا يُعترف بها، ولا تُعالج
هل الجبهة هي المكان المناسب؟
رغم كل قصص البطولة والصمود التي تُروى عن المراسلات الحربيات، يبقى سؤال كبير يتردد في الكواليس، وأحياناً في الجلسات المغلقة: هل الجبهة فعلاً هي المكان الأنسب لوجود صحافية؟ هل من المنطقي أو العادل أن تُزجّ المراسلة في خط نار قد يُكلّفها حياتها، في بيئة تفتقر إلى أدنى معايير الحماية والدعم؟ أم أن هذا الوجود بحدّ ذاته تأكيد على أن الصحافيات قادرات على لعب الدور نفسه الذي يلعبه زملاؤهن الرجال، حتى في أقسى الظروف؟
بعض الأصوات ترى أن إصرار الصحافيات على التواجد في الميدان، خاصة في المناطق الخطرة، ليس فقط تعبيرًا عن شجاعة، بل عن تصميم على كسر الصورة النمطية حول "مكان المرأة"، وإثبات قدرة النساء على حمل الكاميرا والمايكروفون وسط الركام والقذائف. في المقابل، هناك من يعتبر أن إرسال مراسلة إلى ساحة حرب قد لا يكون دوماً خياراً مدروساً، خاصة في ظل غياب وسائل الحماية وعدم أخذ خصوصية المرأة بعين الاعتبار.